عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
148
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
كنت ثماني سنوات نديما للسلطان مودود بغزنين فلم أر منه قط ثلاثة أشياء : أولها : أن كل صلة كانت تقل عن مائتي دينار لم يكن يعلنها على رأس الملأ إلا على أنها جائزة . وثانيها : أنه لم يكن يضحك بحيث تظهر أسنانه . وثالثها : أنه لم يكن يشتم شخصا أبدا إذا غضب وهذه العادة كانت حسنة جدا . وسمعت أن ملوك الروم لهم مثل هذه العادة ، ولكن لهم رسم آخر ليس لملوك العرب والعجم ، وهو أنه إذا كان الملك قد ضرب شخصا بيده لا يستطيع أي إنسان بعد ذلك أن يضرب ذلك الرجل ويقولون ما دام حيا : إن الملك قد ضربه بيده فينبغي أن يضربه ملك كذلك . والآن قد جئنا إلى رأس الكلام الأول ، ثم لا أستطيع أن أقول لك في حديث السخاء كن سخيا بالمال ، وعلى كل فلا تكن وضيع الهمة ، وإذا لم تستطع أن ترتدع عن جبلتك فلا أقل من ألا تظهر خستك للناس على الملأ كما ذكرت ، لأنك إذا لم تسخ يصير كل الخلق أعداءك ، فإذا لم يستطيعوا أن يقولوا لك شيئا في الحال فإنهم لا يجعلون أرواحهم فداء لك إذا ما ظهر عدو ، ويكونون أصدقاء عدوك ، ولكن اجتهد ألا تكون ثملا بشراب الملك ، ولا تقصر في المحافظة على ست خصال : الهيبة والعدل والعطاء والحفاظ والوقار والصدق . فإذا لم تكن في الملك واحدة من هذه الست فإنه يكون إلى سكرة الملك أقرب ، وكل ملك يكون ثملا بالملك فإنه يفيق عند ذهاب ملكه ، ولا تكن في الملك غافلا عن معرفة أحوال ملوك العالم ، بحيث ينبغي ألا يتنفس أي ملك من غير أن تعرف ، فإني سمعت من أبى الأمير الراحل أن فخر الدولة فر من أخيه عضد الدولة ولم يستطع الإقامة بأي مكان ، فجاء إلى بلاط جدى قابوس بن وشمكير مستأمنا ، وآمنه جدى وأكرمه وزوجه عمتي ، وأنفق في زواجه مالا يفوق الحد ، بسبب أن جدتي كانت خالة فخر الدولة وكان أبى وفخر الدولة كلاهما ولدى ابنة فيروزان ، فأرسل عضد الدولة رسولا إلى شمس المعالي ، وجاء الرسول وسلم الكتاب وقال إن عضد الدولة يسلم كثيرا ويقول : إن أخي الأمير على جاء إليكم ، وأنت تعلم أن بيننا صداقة وأخوة وبيت كلينا واحد ، وأخي هذا عدوى ، فيجب أن تقبض عليه وترسله إلى ، حتى أدع لك أي ناحية تعينها من ولايتي مكافأة على ذلك وتتأكد صداقتنا ، وإذا لم ترد أن تلحق بنفسك هذا العار فناوله السم هنالك ليتحقق غرضى ولا يكون عار عليك ، وتلك الناحية التي تريدها تعطى لك أيضا . فقال شمس المعالي : سبحان الله ، ما ذا يدعو مثل ذلك المحتشم إلى مخاطبة مثلي بمثل هذا الكلام ، حيث لا يمكن أبدا القيام بمثل هذا العمل الذي يكون فيه عارى إلى يوم القيامة ؟ فقال الرسول أيها الملك ، لا تفرط في عضد الدولة من أجل الأمير على لأن مليكنا يحبك أكثر من أخ شقيق له ، وقسما بكذا وكذا إنه في هذا اليوم الذي حملني وسيرنى إليك كان يقول أثناء الحديث : يعلم الله أنى أحب شمس المعالي جدا ، إلى حد أنه في يوم السبت الفلاني وقد انقضت بضعة أيام من الشهر الفلاني ، ذهب شمس المعالي إلى الحمام وانزلقت قدمه في البيت الأوسط وسقط فاغتممت وقلت : هل أدركته الشيخوخة في سن السابعة والأربعين وانحطت قوته ؟ ! وكان غرض ذلك الرسول أن يقول اعلم كيف أن مليكى مطلع على أحوالك ، وكان ذلك من تعليم عضد الدولة ، فقال شمس المعالي :